الفصل السابع

زيارة سرية

  تعودنا في مخيم رفحاء حدوسا غير قليلة سنأتي على ذكرها في سطورها وفصولها، من بينها مثلا أن حركة الدبابات والمدرعات وسواها من المظاهر العسكرية في باب المخيم وحوله، تنذر بوقوع حدث ما، هجوم ضد خيمة لاجيء مطلوب لسبب ما على سبيل المثال، أو أن وفدا رفيع المستوى سيزور المخيم، سواء كان من داخل السعودية نفسها أو من خارجها، وغير ذلك كثير‍.

  المخبرون الذين أصبحوا مطايا لمكتب الاستخبارات ( كما سنرى بعد قليل)، يقومون أحيانا بتسريب معلومات حساسة قبل وقوع الأحداث، هل كان سبب تلك التسريبات قلة خبرة هؤلاء؟‍، أم أن صدورهم لم تتسع لأحداث ستقع على أبناء وطنهم؟، وهم شركاء في العزلة الصحراوية إياها؟، أم أن إفشاءهم الأسرار،  خطوة إلى الوراء، أي خطوة الإنسان بعد صحوة ضمير‍؟؟‍

 على أية حال فإنها لحظات خاصة من تأمل النفس البشرية بنوازعها الشريرة وشذوذها، فيقوم المخبر يحاول رفع الكمادة الثقيلة عن روحه، يفتح قلبه لأبناء جلدته المحشورين في نفس المصير.

 حسنا دعونا نعود إلى ماحدث ظهيرة أحد الأيام:  في النصف الأول من الشهر الثاني على وجودنا في المخيم،   وصلت على حين غفلة مدرعات ودبابات إضافية وقامت في الحال بتطويق المخيم، أي من وراء الأسلاك الشائكة، ثم التحق إلى الباب الرئيسي شرطة وجنود أضعافا مضاعفة، أي أزيد بكثير من حرس الباب، معززة بقوة مؤلفة من مدرعتين وعدد من عربات الجنود المسلحة بطوائفها الكاملة.

 راقبنا ذلك بحذر ودهشة وحيرة، ومالبثت أعداد من اللاجئين أن هرعت إلى الباب للإستطلاع والسؤال عن هوية الزائر: ترى هل هو وفد من الأمم المتحدة

ام من لجنة الصليب الأحمر الدولية!؟

امير سعودي من العائلة المالكة

هل تنوي المملكة إعادتنا إلى العراق، وكان كل شيء مسموحا يومذاك طالما أن زيارات موظفي الصليب كانت متباعدة، ومكتب الأمم المتحدة لم يكن له وجود بعد!

ام ماذا سيحدث لنا في المخيم؟!

اسئلة كثيرة بلاجواب!

 بينما نحن كذلك: مجاميع تتكاثر قرب الباب وأخرى بمحاذاة الأسلاك الشائكة، إذ رأينا سيارات مدنية حديثة الطراز يقودها مدنيون سعوديون بالزي السعودي التقليدي، متجهة صوب الحدود مع العراق، بحماية عربات عسكرية مسلحة!!

 المخبرون لم يصبروا طويلا ولم يتكتموا على الأمر حتى المساء فأفشوا السر: قام محافظ السماوة ( العميد محسن خضر الخفاجي) ووفد من المخابرات العراقية بزيارة سرية للمخيم، واجتمع هؤلاء بقائد المخيم وضباط الإستخبارات ومدنيين سعوديين جاؤوا من الرياض!

 

رائد ومحمد عرابي

 

 بعد بضعة أسابيع من إقامته هاهو مخيم رفحاء يرزح تحت نير النسيان والقهر، فالأيام نفسها متكررة مستنسخة والألم متشابه توزع بالتساوي في صدورنا، إليكم هذا الوصف: ها نحن نأكل ونشرب وننام (هل هنالك سعادة تعدل ذلك!!؟)، نمارس حياتنا اليومية تحت سماء مكشوفة خالية من الغيوم تقريبا، ودرجات الحرارة بدأت بالإرتفاع النسبي، الحياة ساكنة ورتيبة، أما العسكر والشرطة ومكتب الاستخبارات فقد تنكبوا جميعا وظيفة واحدة: حفظ الأمن وتوفير الطعام!

  ستتغير هذه الوظيفة إلى نقيضها بعد الزيارة السرية، سيبدأ العبث بمصيرنا جميعا : تسليم لاجئين منتخبين إلى مكتب المخابرات العراقية في المخفر الحدودي، لقاء قنينة ويسكي عن رأس كل لاجئ أو مسدس من نوع طارق كما أخبرنا بذلك المخبرون!!

  لابد من القول بأن الوظيفة تتغير أحيانا إلى حصار المخيم، بطريقة مخجلة لا يمكن إلا القول بأن الدولة السعودية، بلا أدنى مسؤولية أخلاقية، رمت بثقلها السياسي والإعلامي وراءها، لأن العسكر كما هو معروف، لايستلم أوامره من طبيعة الشعب السعودي السوية وفطرته بل من السياسي!

 بعد الزيارة أيضا بدأ الحصار بمنع ادخال شاحنات المواد الغذائية ومقطورات المياه، لنهار كامل أو يوم أويومين وأحيانا ثلاثة، وهذه (اللفتة الإنسانية) لاأعدم وجود أصابع عراقية بعثية مخابراتية وراءها، وأمام عيني كذلك الجحود السعودي الذي لايقل استهتارا بالمصير العراقي.

 وأسباب الحصار على مخيمنا معروفة: أظن أن من أهمها ان المخيم شكل عبئاً سياسياً وإعلامياً على نظام الطاغية، وليس أقل من ذلك على السعودية نفسها، وقد اشتكت ورفعت منظمات إنسانية - على اختلاف أنواعها ومهماتها- معاناة اللاجئين للقيادة السياسية السعودية، من هنا كانت قضية القضاء على المخيم من أولويات النظامين : العراقي والسعودي!

 ونظرا لانعزال المخيم في الصحراء منسيا ومتروكا من قبل الهيئات الدولية، فقد كان جاهزا تماما ومفتوحا على مصراعيه لأي يد تعبث به، لأي شخص يأتي من خارجه، ليجرب فيه سلطة لم يمنحها له أحد، فيمنحها هو لنفسه، طالما أن الضحية ملفوظة ومهجورة على أراضي الغير.

*     *     *

   قبل تأسيس مكتب للأمم المتحدة في المخيم بأشهر طويلة، لمع نجم نائب العريف استخبارات (رائد)، كانت مهمته قبل أن يلمع نجمه هي حفظ الأمن، وقبل أن يشيع هذا الرعب في نفوس اللاجئين، كان مهَّدَ لسلطته وعبثه بدعوى بائسة مفادها أن أباه يخدم في البلاط الملكي1، ولذلك فأن له اليد الطولى –حسبما كان يقول- في تصفية مخيم رفحاء!!

هكذا : تصفية مخيم رفحاء!!

  لم يخبرنا رائد -أول الأمر- عن أي الرجال ينوي تصفيتهم، أو تصفية مخيم رفحاء منهم، صحيح أن الدلالة هنا هي سياسية إلا أنها ملتبسة على وضوحها الشديد، لكن من منح رائد حق التصرف بمصائر النوع العراقي!؟

ان تعاقب الأحداث أثبت أن لاجئي مخيم رفحاء، كلهم وبدون استثناء، كانوا مشمولين بالتصفية المذكورة!

   ولم تكد تمضي بضعة أيام على هذا الكلام الوقح، حتى لمع نجم مقدم استخبارات محمد عرابي، وإنك لتسمع كل حين صدى رائد وعرابي مدوّيا في أرجاء المخيم، خلال أشهر طويلة من فرض سلطتهما عليه، وكان المخيم يرتج من أقصاه إلى أقصاه، لابسبب دخولهما إليه، بل بمجرد سماع اللاجئين بقدوم واحد من هذين:

- رائد وصل ياجماعة تفرقوا!!

-قاد عرابي قبل قليل مفرزة مشاة وألقوا القبض على لاجىء!

-صاحبنا فلان الفلاني سلمه رائد وعرابي إلى المخفر الحدودي العراقي صباح اليوم!

*     *    

   لعب الثنائي رائد وعرابي أدواراً استثنائية في ممارسة أقسى صنوف القهر والتعذيب، ضد لاجئي مخيم رفحاء، منها على سبيل المثال لاالحصر: مداهمة الخيام ليلاً بالعربات المسلحة والمدرعات، لغرض إجبار أحد اللاجئين على العودة إلى العراق، ومنها أيضا: إقامة السجون المرتجلة إن كان ذلك في العراء أو في ( كرفانات ) الاستخبارات وغير ذلك كثير!

 كانا يصولان ويجولان داخل المخيم، مشياً على الأقدام أول الأمر، ثم راحا بعد فترة يستقلان عربات عسكرية، وقد استقلا ذات مساء دبابة  (لتأديب اللاجئين) حسبما أعلنوا هم!!

 وكان أن طفح الكيل باللاجئين، فتصاعد غضبهم كرد فعل على حملات تسليم الكثيرين منهم إلى المخفر الحدودي العراقي، كما سنرى في سطور قادمة.

  ولم يكف محمد عرابي ورائد عن كيل الإهانات للجميع بدون مبرر، كان عرابي مثلاً يعلن صراحة انحيازه إلى جانب صدام حسين ونظامه الطاغي، وهو -أي عرابي- لايتورع عن مدحه وذم اللاجئين، لابل توصيفهم بتوصيفات قاسية، وتعييرهم بالخروج على بطل الأمة ومنقذها حسب تعبيره!

  كانت أيدي عرابي ورائد مطلقتين بنسبة مائة بالمائة في اعتقال من يشاؤون من اللاجئين، وثم بعد ذلك إهانتهم وتسفيرهم، في محاولات يائسة على مايبدو، للثأر من نزلاء مخيم رفحاء الرافضين للطاغية ونظامه.

   وشيئا فشيئا تولدتْ بين صفوف اللاجئين، حالات الإستنكار والإستهجان للممارسات اللامسؤلة والاستهتار بحياتنا، تلك الممارسات التي ماكانت لتستمر لولا قبول الرياض بها، والتزامها جانب الصمت أزاء كل الخروقات.

*     *     *

أحيانا كان يزور المخيم (أبو تركي) مدير جهاز الإستخبارات السعودية، والذي فشل في لم بعض أطراف المعارضة العراقية غير الموالية للسعودية، يتجول بسيارته بين خيامنا قائلاً لنا:

-انتم ياعراكَيين بعيون الملك!!

  وكأن هذه الكلمات شفرة استخباراتية سرية، فما أن يقفل عائدا إلى الرياض، حتى يعود عرابي ورائد إلى عملهما اليومي: إهانة اللاجئين وتسفير من يشاؤون منهم!

   بعد فترة قصيرة يخلف (أبو تركي) اللواء الركن عبد العزيز الشيخ (وهابي متطرف شغل وظيفة إمام جامع الرياض سنوات طويلة)، وسيلعب الأخير دورا عدوانيا في أحداث شهر رمضان الدموية عام1993   والتي سنتحدث عنها بالتفصيل.

*     *     *

الهوامش

 1 - يحلو لجنود سعوديين أو عرفاء أو سواهم من رتب عسكرية متواضعة أن يضفوا على واجباتهم في المخيم صفة ملكية، فكل واحد من هؤلاء يدعي انه هو أو والده أو شيخ عشيرته يخدم في البلاط الملكي السعودي!

2 - ضخم الجثة اسمر طويل مفتول العضلات، خريج الكلية العسكرية العراقية، مولع بشخصية صدام العدوانية ويعتبره مثله الأعلى.

 

 

حسين الرويلي

 

 خلال الأيام الأولى لوصولنا إلى المخيم، أخبر أحد اللاجئين من أصحاب الخيال المجنح، مكتب الاستخبارات بأنه كان قائدا لميليشيات مسلحة في مدينة البصرة، وزاد بأن هذه الميليشيات عملت تحت إمرته في السر حتى يوم اندلاع الانتفاضة، فأبلت تلك الميليشيات بلاء حسنا في المحافظة المذكورة، وذهب صاحبنا أبعد من ذلك التضخيم فقال بأنه عقل عسكري، وفي حوزته خطط سرية لزعزعة النظام في بغداد!، ونظرا لأن الظروف مازالت مواتية للقيام بعمل فدائي سريع، فهو يتقدم بطلب إلى حكومة المملكة العربية السعودية لتقديم المساعدة والعون!

  بعد أيام قليلة رحّله مكتب الاستخبارات إلى الرياض، وحاورته الجهات المختصة هناك، وتقرر يومها إيداعه في دار الاستراحة بالعاصمة، وأمضى هناك أسابيع طويلة دون أن يسأل عنه أحد، سوى عدد محدود من العراقيين الموجودين في دار الاستراحة، وأغلبهم من المخبرين والوكلاء والمرضى، ومثلهم ضباط عراقيون أسرى من رتب عالية، انتموا فيما بعد إلى أحزاب عراقية معارضة دعمتها السعودية.

  مرت أسابيع كثيرة وصاحبنا في دار الإستراحة، حتى جاء اليوم الذي تقرر فيه إعادته إلى المخيم، بصحبة الرائد مخابرات ملكية حسين الرويلي! 

بلحية كثة ونظارات سوداء اللون ودشداشة بيضاء قصيرة (دشداشة المطاوعة السعوديين)  وصل الرويلي إلى المخيم، ذات صباح حار من شهر آب/أغسطس 1991

     ادعى في الحال بأنه متطوع يعمل في مكتب الإغاثة الإسلامية، وراح يقيم علاقات ودية مع عدد من اللاجئين.

  كان الموما إليه تعوّد الجلوس بباب خيمة مطلة على الشارع الرئيسي، عائدة لعدد من أبناء مدينتي، وتبعد عن خيمتي بضعة أمتار، هناك كان يحدثهم عن مغامراته الجنسية التي تتخللها خيالات عاطفية مشبوبة وهو يسردها، عن اغواءاته لمراهقات تايلنديات فقيرات، يأتي بهن دولاره عذراوات من قراهن البعيدة إلى بانكوك العاصمة، ليعيش معهن ليالي حمراء، وكانت تلك الأحاديث كافية أيامذاك -في صحراء قاسية معزولة ليس فيها جديد- أن تلهب مشاعر عدد من اللاجئين، فمالت قلوبهم إليه، وكوَّن هو معهم صداقات دامت طويلا!

 وكان الموما إليه الذي يبلغ من العمر حوالي ثلاثين عاماً يتعاطى الحشيش، ويصف لي أبناء مدينتي، ممن كانوا يصغون إلى مغامراته، بأن الرويلي كان يقول عندما يضرب الحشيش (نافوخه) في أوقات فراغه وتسليته: أنه  2 يرى كَصور بغداد  

   شخصيا توجستُ منه كثيراً، منذ الأيام الأولى لدخوله إلى المخيم، حتى أني أخبرت بذلك جيراني وأبناء مدينتي ممن يعرفونه:

-انا غير مرتاح لهذا الرجل بالمرة، يبدو أن مهماته تتعدى مهمات العمل في الإغاثة الإسلامية وتزيد عليها، أعتقد بأنه شخص مهم.

   ستكشف لنا الأيام وحوادث المخيم أن المذكورلم يكن متطوعاً في الإغاثة الإسلامية ولاهم يحزنون، بل هو ضابط في المخابرات الملكية السعودية، وأن خيوط المخيم كلها تقريبا بيده، إبتداء من قيادته للهجومات المتكررة بالدبابات وناقلات الأشخاص على بعض من خيام اللاجئين ليلا، إلى التعذيب إلى مرافقة بعض  الوفود المهمة حتى أبسط الأمور..مثلا: التدخل في أسماء المرشحين لأداء فريضة العمرة السنوية

                                                                                              

هوامش

1 - متطرفو المذهب الوهابي في السعودية.

2 - يعني قصور بغداد،وهو مثل يتداوله المواطن السعودي الذي يتعاطى الحشيش والمخدرات .

  3- تنظم قيادة المخيم سنوياً رحلة للاجئين لأداء فريضة العمرة، فيغادر هؤلاء شبه مخفورين محاطين بجنود مسلحين ذهاباً وإياباً وحتى في داخل الحرم المكي الشريف، ويحدث دائما أن يلتقي هؤلاء اللاجئون المعتمرون بأمثالهم من الإيرانيين، فينجذبون إلى بعضهم البعض فيحملونهم رسائل شفهية إلى ذويهم ومعارفهم في إيران، أو أنهم يبثون الإيرانيين شكاواهم من التعامل السعودي معهم في المخيم، لكن الأوامر لاتسمح بذلك فيعزل المعتمرون من اللاجئين داخل حلقة من الجنود وعناصرالإستخبارات!!

 

تواطؤ لاجئين ( الوكلاء )

 

وتواطأ عدد من اللاجئين مع مكتب الاستخبارات!

  فقد قام رائد وعرابي بتشكيل مايشبه الهيئات الإدارية، متمثلة بمنظومة (الوكلاء)، فالوكيل المنتخب يكون عادة إما أحد الفتوات، أو من بين بطانة شيخ العشيرة، أو خريج السجون العراقية.

  يختار رائد وعرابي الوكيل ويباركانه وينصبانه على رؤوس العباد، إذا ماوجدا فيه خادما مطيعا ومطية، ويقوم الوكيل بنفسه باختيار عناصر جهازه الأمني، ويبدأ النظام بالوكيل نفسه لينتهي بطرف السلسلة البعيد، حيثما يفتح مخبرون صغار أقل قيمة من الوكيل آذانهم ليل نهار في أنحاء المخيم، آذان كبيرة مصغية، لالتقاط خبر من هنا أو طرفة من هناك تنال من ممارسات السلطات السعودية داخل المخيم.

  كما نقل الوكلاء والمخبرون الصغار تقاليد كمّ الأفواه العراقية إلى المخيم، ومنها أنهم أبدلوا : ليش تسب الريس!!؟) المعروفة لدينا في العراق( إذا ماأُريدَ اتهام أحد المواطنين) إلى : ليش تسب الملك!!؟ في المخيم!

  تزيا الوكيل ومخبروه الصغار بملابس المواطن السعودي، وزادوا إلى ذلك بأن تعلموا اللهجة البدوية، وبرعوا فيها من أجل سواد عيون مكتب الاستخبارات، كما مارس هؤلاء بعض العادات السعودية من مثل طريقة شرب القهوة، ولبس العباءة ولف طرفها على الذراع، بل وحتى طريقة التقبيل بالأنف!, وتلك تحية بدوية لم تألفها طبيعة المجتمع العراقي، وغير ذلك كثير!

  وكان الوكيل والمخبرون الصغار مدللين بنوع أنهم كانوا يتمتعون بامتيازات، لايتمتع بها غيرهم من  أبناء جلدتهم من اللاجئين، فلهم الخيام المؤثثة والمكيفة الهواء، وبين أيديهم الهوية الخاصة بالذهاب متى يشاؤون، إلى مدن رفحاء والرياض وعرعر والقيصومة وحفر الباطن وغيرها!

 

بداية الاستفزازات والتسليم

 

 

  1991.5.19

بدأت أولى استفزازات مكتب الاستخبارات السعودية ، وذلك عندما اقتحم المخيمَ رتل مكون من المدرعات والدبابات وناقلات الأشخاص، وتمت محاصرته من جميع جهاته، وحين استفسر اللاجئون عن سبب هذا الإجراء، أجاب السعوديون بأنه اجراء أمني لحماية المخيم من المتسللين!!  

1991.8.3 

    اقتحمت المخيم عربة مسلحة تابعة للجيش السعودي، وحاولت اعتقال الفتى رافد جاسم الياسري وهو من ناحية البطحاء/ محافظة ذي قار بدون ذكر أسباب، وعندما رفض الفتى أطلق عليه الرصاص من قبل جندي سعودي، ماأدى إلى حدوث شلل نصفي للفتى وهو مقعد لحد الآن.

1991.9.13

  يبدو أن الزيارة التي قام بها محافظ السماوة والوفد المرافق له أثمرت في غير صالح اللاجئين، فقد بدأ مكتب الاستخبارات السعودي في المخيم بتسفير العديد منهم قسرا إلى الحدود العراقية، لاسيما النشيطين خلال الإنتفاضة، وعرفنا بأن كلمات نائب عريف رائد بتصفية المخيم لن تذهب سدى!

حدث ذلك دون علم الهيئات الدولية!

وعذب هؤلاء لدرجة فقدان الوعي  ليلا قامت الدوريات المسلحة باختطاف 25 لاجئا،1991.10.12   

 ، ثم اطلق سراحهم في اليوم التالي .

  استمر هذا الأسلوب حتى أعلن اللاجئون الإعتصام (سنتحدث عنه بالتفصيل في سطور قادمة).

*     *     *

 نتيجة للتسفير القسري اضطر الكثير من اللاجئين إلى هجر المخيم، والتسلل إلى الأراضي العراقية سرا، فقد

تسللت مجموعات تتألف كل واحدة منها بين 7-8 لاجئين في رحلات متفرقة بلغ تعدادها 17 رحلة، طبعا كانت رحلات غير رسمية،، أي بدون علم موظفي لجنة الصليب الأحمر.

بدأت صباح هذا اليوم رحلات جماعية إلى بتسهيلات من مكتب الإستخبارات السعودي 1 991.11.18 العراق، وهي رحلات غير رسمية أيضا، وكانت أول رحلة ضمت ( 27) لاجئا، جلهم من محافظتي النجف والسماوه.

  غادرت رحلة ثانية وكانت تضم 34 لاجئا بتسهيلات من مكتب الإستخبارات أيضا.   1991.11.2

  1991.12.1

         غادرت صباح اليوم قافلة تضم 45 لاجئا، وهؤلاء تخلت عنهم الدوريات المسلحة السعودية، ليس بعيدا عن المخفر الحدودي العراقي، وتعرضوا إلى إطلاق نار من قبل المخفر العراقي

  ما اضطرهم للعودة مجددا إلى المخيم وكان بينهم أربعة من الجرحى، وكنت في ذلك الصباح قرب الباب الرئيسي للمخيم، عندما وصلت القافلة المغدورة، ورأيت الجرحى يمشون بصعوبة بالغة متكئين على بعضهم البعض، والدم يشخب من أرجلهم ومواضع أخرى من أجسادهم!، وفي الحال تنادى اللاجئون فهرع الكثيرون منهم إلى الباب لمشاهدتهم، وعبر الكثير من اللاجئين عن استهجانهم للعسكر والشرطة السعوديين.

1991.12.10

 غادرت قافلة أخرى، بعد اتصال وتنسيق ببين مكتب الإستخبارات السعودي ومكتب المخابرات العراقية، لتأمين تلك الرحلات، وفعلا تم ذلك وغادرت المخيم قافلة كبيرة، فجرى استقبالها استقبالا رسميا في مدينة السماوة.

الرحلات التي تلت ذلك التأريخ تمت بإشراف موظف من لجنة الصليب الأحمر الدولية.

   1991.12.18

وصلت الأحاديث والإتفاقات والإجتماعات دروتها اليوم بين اللاجئين، من أجل التكاتف ووضع حد لهذه المهزلة، مهزلة التسفير إلى العراق، وحماية أنفسهم من التسفير القسري، وأخذ أكثر المطلوبين للتسفير ينامون خلال ساعات النهار، تحت حراسة زملائهم، ويمضون الليل في خيام غير خيامهم، خوفا من المداهمات الليلية والتسفير المفاجئ!

 وسوف تستمر هذه الخروقات، كما سنرى في السطور القادمة.

 

حكاية فريق الديوانية لكرة القدم

    

 تعلّم الصحراء تسليات لتزجية أوقات الفراغ، وذهب اللاجئون مذاهب شتى في تلك التسليات، وهم بذلك إنما يحاولون دفع غائلة أحزان مطبقة كدستها يد القدر، في مساحة لاتزيد على 4 كم مربع.  المهولة.

  قبل حلول المساء تهدأ العواصف الرملية ..ويبدأ يومنا: المشي في شوارع المخيم، أو زيارة صديق، أو ممارسة لعبة كرة القدم أو غيرها، وبما أن الرياضة رديف للشباب العراقيين ولصيقة بحياتهم، فقد تشكلت فرق كرة القدم خلال الأسابيع الأولى، وقام أعضاؤها بشراء التجهيزات الرياضية من جيوبهم، وإنك لتجد الشباب يملأون ساحات المخيم ضجيجاً وصراخاً خلال لعبهم، ما أعطى الصحراء معنى في أرض موات.

 كنا نأنس لسماع الأصوات وتهش لها قلوبنا، فننسى ولو مؤقتاً الصمت المريع وغياب الأمل!!.

  وكان شقيقي أحمد يلعب في خط الهجوم ضمن تشكيلة فريق مدينة الناصرية، وكنت أمزح معه كثيرا من أنه قليل اللياقة وغير ماهر في اللعبة، وهو غير صحيح طبعا!

*            *              *

  من بين فرق المحافظات برع فريق مدينة الديوانية، حتى صار يلهج بذكر اسمه كل فريق طامح بالتدرج، والفوز بكأس المخيم (الكأس من تبرعات الأعضاء أيضا)، شباب وتكنيك ومستوى عال من التدريب اليومي، وقبل كل ذلك تشجيع اللاجئين لهم، باعتبارهم أفضل فريق لكرة القدم في المخيم.

وليس ثمة مخيمات قريبة ينافس فريقها فريقنا فنذهب مشجعين!

                                                             ***

  وحدثتْ لهذا الفريق الشعبي قصة ليس من السهل نسيانها، بل إن الذاكرة الجمعية للاجئين، ماتزال تحتفظ لهؤلاء الإخوة بكثير من الود والمحبة، وأيضا بكثير من الأسى!

  عاد الفريق من ساحة التدريب ذات يوم، وجلس جميع أعضائه في خيمتهم الكبيرة المشتركة، تحلقوا حول التلفزيون الذي كان ينقل مباراة ودية بين منتخبي إيران والسعودية لكرة القدم (صيف 1991 )، ومضى فريق مدينة الديوانية يشجع المنتخب الأقوى وكان المنتخب الإيراني، وكان من سوء حظ المنتخب السعودي يومذاك أنه خسر مباراته أمام نظيره الإيراني، طبعا خسارة المنتخب السعودي يومذاك، لم تحدث بسبب تشجيع فريق مدينة الديوانية للمنتخب الإيراني!، لكن لسوء أداء المنتخب السعودي!!

بعد انتهاء المباراة علق أعضاء فريق الديوانية على أسباب الخسارة، ثم انفض الجمع ومضى كل إلى خيمته.

  في ساعة متأخرة من الليلة نفسها، طوقت مفارز الإستخبارات خيمة الفريق، واقتيد الجميع إلى مكتب الإستخبارات،هناك انهال العشرات من عناصر الإستخبارات، على فريقنا المحبوب بأعقاب البنادق و(الكيبلات) والعصيّ الكهربائية والإهانات، وأخبر اللاجئين بعض الوكلاء بأن البعض من فريق الديوانية، لم يتحملوا الضرب، فسقطوا مغشيا عليهم.

وقرر مكتب الإستخبارات أن لاعودة لفريقنا إلى المخيم أبدا!

  بعد يومين من هذه الحادثة المشؤومة، أمضى كل عضو من أعضاء الفريق إستمارة مزورة [إني اللاجئ الفلاني أرغب بالعودة الطوعية إلى العراق بدون ضغط من قبل الجانب السعودي، ولهذا وقعت!]

 لم يدخلوا المخيم ولم نستطع توديعهم، فقد تمّ سوقهم جميعا إلى المخفر الحدودي العراقي، وسلموا لأيدي المخابرات العراقية.

 وكانت تهمتهم هناك جاهزة، حسبما سرب مخبرون ووكلاء : هؤلاء أعضاء في حزب الدعوة!

 

طعن أحد الوكلاء بمدية

   قويت شوكة وكلاء مكتب الاستخبارات ومخبروهم الصغار في المخيم، يوما بعد آخر، قبل انشاء مكتب للمفوضية السامية وبعد ذلك،  صحيح أن مكتب المفوضية منع الكثير من التجاوزات على اللاجئين، لكن مكتب الاستخبارات لم يتخل عن أعوانه من اللاجئين الوكلاء.

   ودب الخوف بين جموع اللاجئين، الخوف من الابعاد إلى العراق، أو في أسوأ الإحتمالات : أن يضرب اللاجئ وتهان كرامته وماأسهلها عند عناصر الإستخبارات، واعتقد الوكلاء خطأ أن المكتب سيحميهم من غضب اللاجئين، هم واهمون طبعا لأنهم عاشوا بيننا في الخيام وإن كانت لهم آذان صاغية، وحماية وامتيازات.

  صحيح أنهم يستطيعون الخروج من المخيم، ويسمح لهم بالمبيت خارجه وقتما يشاؤون، ويذهبون إلى مدينة رفحاء وغيرها مارغبوا في ذلك، لكن أيدي اللاجئين تطالهم، لأنهم باعوا أنفسهم لمكتب الاستخبارات بأبخس الأثمان.

 في تلك الأيام طعن لاجئ أحد الوكلاء ببطنه بمدية في سوق المخيم وأمام أعين اللاجئين، وكان المطعون نال حضوة لدى مكتب الاستخبارات، حتى أن عرابي نفسه خصص له سيارة مدنية أو عربة عسكرية، تنقله من المخيم إلى خارجه وبالعكس، طيلة مدة خدمته.

  بالتشاور والتنسيق بين مكتبي الاستخبارات والمفوضية السامية أول تشكيله في المخيم، سهل الثاني مقابلة خاصة للوكيل المطعون لدولة أوروبية، ولم يدخل إلى المخيم منذ ذلك اليوم حتى تسفيره.

 

 

 
     
الفصل السابق الفصل التالي